منتدى محبى الشاعر محمد صان الدين
اسعدنا تواجدكم

فى البرزخ - قصة قصيرة

اذهب الى الأسفل

فى البرزخ - قصة قصيرة

مُساهمة من طرف Dr. Monzer Saneldeen في الأربعاء مايو 30, 2018 8:38 pm

يكاد يقسم  معظم من حضر  جنازة الشاعر وقرأ هذه القصة أنها  تصف بدقة هيئة هذا الشاعر الاديب وشعورهم واحاسيسهم يوم وفاته - رحمه الله
فى  البرزخ
***
بقلم/ محمد عبد الرحمن صان الدين
***
" هدأت القرية القابعة في أحضان الجبل، ولفها سكون مطبق، وراحت في ظلام دامس، وغرقت في سبات أشبه بغمرة الموت، كأن الطبيعة قد ضربت عليها سرادق من الصمت الرهيب، فلا تحس فيها نأمة، ولا تسمع ركزا.
ذلك بعد يوم عابس كئيب ، صاخب بالبكاء والنحيب ، وقد أسدل الحزن على الوجوه نقابا شاحبا شمل جميع أهل القرية، نساء ورجالا، شيبا وشبانا حتى الصبية الذين هم دون فهم ظواهر الحياة، وإدراك ما وراء الوقائع والأحداث، لقد دهيت القرية اليوم بكارثة دهياء، تجل عن العزاء، ويعزب معها الصبر وتطيش الحلوم الراجحة، إنها كارثة العمر بالنسبة لها ورزء الدهر، رماها به، ليسلب منها سبب هناءتها في عيشها الوادع .
لقد توفى اليوم الشيخ نعمان، والشيخ نعمان هذا بالنسبة للقرية هو النسمة الندية العبقة في قيظ الدنيا تنشق منه عبير الحياة الهانئة، الوادعة، فتنبض بها عروقهم، وتبصر عيونهم، وتسمع آذانهم، دائمة الثمار، دانية القطوف، يستظل الناس بظلها، ويستروحون شذاها، ويطعمون ثمارها اليانعة، سواء في ذلك الصغير والكبير، القريب والبعيد، الوافد وعابر السبيل .
زالت الشمس عن كبد السماء، وصلى الناس الظهر ـ لأول مرة بدون الشيخ نعمان، وخرجوا مع من توافد من القرى المجاورة، ومن حضر من الضاربين في الأرض يبتغون من فضل الله، يحملون نعش الفقيد إلى ربض القرية حيث المكان الفسيح الذي يسمح باشتراك تلك الجموع في الصلاة عليه، وكأن الصلاة عليه كتبت على كل من يعي ويعقل، فلما فرغوا من الصلاة حملوا الجنازة على الأعناق، وساروا خلفها وحولها، منجذبين إليها بأمراس خفية، شاخصة فيها أبصارهم، وقد زمت الشفاه، وخيم الصمت، فلا تسمع إلا وقع الأقدام المهرولة على الرمال والمدر، حتى وصلوا إلى حفرة بين القبور فرغ الحفار من حفرها لتوه، فأخرجوا الجثمان من النعش، وواروه في لحده، وأهالوا عليه الرمال بين عبارات الترحم والوداع بأصوات متهدجة خنقتها العبرات الملتهبة، واختفى الشيخ نعمان عن العيون إلى الأبد. يا الله  ما أسرع الموت  وما أدق الشعرة التي تفصل بين الموت والحياة أو الدنيا و الآخرة. إنها الحقيقة التي لا ريب فيها ولكن الإنسان ينسى في عجيج العيش، وصخب الحياة، فلا يذكره ويوقظ غافيه إلا موت واحد كالشيخ نعمان. عاد المشيعون إلى القرية الحزينة، وعلى كواهلهم مثل الجبال من الهم والحزن تنم عنه وجوههم الشاحبة، ونظراتهم الشاردة، وكأنهم دفنوا مع الشيخ نعمان مداركهم وحواسهم وتعلقهم بالحياة، فلما وصلوا إلى مداخل القرية جلسوا على التراب في صمت، وقد عقدوا أيديهم على سوقهم المنصوبة مديرين أظهرهم إلى القرية، متجهين إلى القبور، كأن القرية قد سدت منافذها في وجوههم، فلا يجرؤ أحد على دخولها أو حتى النظر إلى ربوعها ومنازلها، وكيف وقد أفل كوكبها، وانطفأ مصباحها ولأول مرة يشعرون برهبة الموت، ويحسون بقبضته تعتصر القلوب، وتستدر عصى الدمع من العيون، وكأنهم لم يعرفوا من قبل أن الإنسان يموت، وكأنهم لم يفتقدوا أحد سواه.
غربت شمس اليوم، وغرب معها، آخر شعاع من الإنس، واقبل الليل بوحشته ينشر أعلامه السوداء في الأفق، ولم يلبث حتى لف القرية بظلامه الدامس فاجتمعت وحشتان، وحشة الليل في القرية، ووحشة الموت عندما يخطف عزيزا، فهبوا متثاقلين، يتحسسون طرقهم إلى المنازل المظلمة الحزينة التي لم توقد بها ذبالة واحدة، يرشد بصيصها معتسف الليل البهم.
مر الهزيع الأول فأوى الناس إلى مضاجعهم يلقون عليها أجسامهم المنهكة، لتظل في مكانها بلا حراك، وكأنهم أعجاز نخل خاوية، وناء الليل بكلكله الثقيل، وانطلقت الأشباح من مكامنها تتراكض هنا وهناك، تزيدها الأعصاب المكدودة رهبة وهولا، فأغمضت العيون وراحت القرية في سكون، مضى أكثر الليل لكنى ظللت يقظان الفكر متنبه الأعصاب، استعرض أحداث اليوم التي يعرضها شريط الذاكرة مع ما تلقيه في المشاعر من انطباعات وإيحاءات من مواقف وسلوك هذا الرجل الذي رحل عن الدنيا الأحياء إلى عالم يختلف عن عالمنا المحسوس، وقد عجز تصوري عن رسم مصغر أو تقريبي لما بعد الموت لمثل الشيخ نعمان .
حقا لقد كان نموذجا حيا للإنسان السوي في اسمي معنى الإنسانية وأبهى صورها، رحبت نفسه ورحبت حتى سعت طباع ونزعات أهل القرية كلهم واحتوتهم جميعا في داخلها، فهو بجسمه وهيئته واحد منهم ولكنه بروحه وفكره الأرض التي تقلهم والسماء التي تظلهم، والسياج المنيع الذي يعصمهم ـ كأفراد وجماعات ـ من الجنوح والشطط ، ولذلك عاشت القرية طوال حياته في سلام واطمئنان متآلفة متعاونة في السراء والضراء.
وإذا كان الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ جعلهم الله تبارك وتعالى نماذج للإنسانية في أعلى مراتبها وأمثلة تتحرك على الأرض بمعاني السماء التي فطرهم الخالق الجليل عليها، وأودعها في أجسادهم البشرية رحمة منه وفضلا، فإن الشيخ نعمان كان على طريقهم وهديهم شمائل وأخلاقا، فهو نفحة من نفحات النبوة وكأن الله قد فطره على هذه الصفات، ليقيم للناس البرهان على أن النبوات وإن كانت قد ختمت بمحمد عليه الصلاة والسلام ـ فإن ظلالها باقية، وعبيرها لا يزال يعبق في مثل الشيخ نعمان .
كان ميسور الحال إلى حد ما ففي القرية من هم أكثر منه مالا وأعز نفرا، ولكنه كان من يساره كواحد من أهل القرية، يستوي القريب والبعيد في النسب عنده في الولاء والبر، ولا يستأثر نشئ، بل ربما آثر على نفسه غيره، فليس لنفسه ولا لغرائزه سلطان عليه، فقد أحكمت إرادته العاقلة البصيرة قبضتها على ذاته، فلا يصدر عنه إلا ما يسمح به الرقيب المسمى بالوازع الذي نبت في تربة الدين، وترعرع في أنسام الإيمان. وكان مع بسطته وبشاشته، مهابا يخشى ويرجى، إشارته أمر مطاع وصده عقاب صارم، إما ابتسامته فكانت دائما تسطع على شفتيه في كل حالاته حتى والدموع تنهل من عينيه رثاء لبائس أو إشفاقا على منكوب، وعلى الرغم من أنه قد نيف على الستين من عمره فإنك لا ترتاب في أنه لا يزال على مشارف الأربعين نضارة وحيوية ونشاطا، فقد كنت لا تراه إلا مسرعا لإغاثة ملهوف أو مساعدة منكوب أو مواساة مصاب أو آخذا بيد عاجز. ويقضى سحابة يومه، وبعضا من ليله في ممارسة تلك الأنشطة، وهو في ذلك لا يصدر إلا عن نفس رضية تفيض رقة وحنانا وقلب ينبض بالحب والرحمة دون أن يخالط نفسه شعور بالفضل أو رغبة في الثناء أو انتظارا للجزاء ومن الناس من تكون حياته غذاء حلوا شهيا للبشرية، وأنساما وعبيرا، ومنهم من تكون حياته شوكا في الأكف والأقدام وقذى في العيون، وغصصا في الحلوق، وهل يستويان عند الناس قدرا وحبا ، وعند الله منزلة وجزاء، ولكن أين الشيخ نعمان الآن ؟ وما موقعه في العالم الآخر في رحاب الله ؟ إن ذلك علمه عند ربى فوق إدراك العقول الملهمة وإحساس الحواس المرهفة، إنه غيب، ودون الغيب حجب وأستار لا تدركها العقول والأبصار.
هنا توقف شريط الصور في ذهني، وانقطعت إيحاءاته في خاطري، كأن ذلك تنبيه إلى أنه لابد للجسم من الراحة، وللفكر من الفتور، وشعرت بأني في حاجة إلى تنسم هواء الثلث الأخير من الليل، فخرجت إلى الشرفة المطلة على الوادي الممتد إلى الجبل في الجنوب الغربي من القرية حيث السفح الذي تقع فيه قبور الموتى .
فجلست على مقعد خشبي أحدق في الظلام، وأسرح ناظري إلى القبور كأني أستطلع أمرا أو أرتقب قادما، فلم أر ولم أسمع شيئا، كل شيء، راقد صامت حتى حفيف أجنحة طيور الليل، ترقرقت على وجهي نسمة ندية من الأنسام التي تسبق الفجر فأحسست ببرد الراحة، وسكون المشاعر، واسترخاء الأعضاء، وبدأت أهوم تهويما خفيفا لا يكاد يخامر إحساسي ولا ينال من يقظة فكرى، وقد أسندت رأسي على مجمع قبضتي اليمنى، ولاحت منى التفاته قد اخترقت سدول الظلام فإذا القبور الموحشة الصامتة الخرساء تسطع بأجسام نورانية في هيئة أجساد البشر السوية، وهى تتحرك من كل صوب في صفوف منتظمة كعقود اللؤلؤ أو كأسراب الطيور البيضاء، في جو السماء، تتجه في تناسق بديع إلى موضع معين، أظنه قبر الشيخ نعمان، وأخذت الصفوف تتجمع وتتحلق في شكل دائري، نظرت في وسطها فإذا أريكة منصوبة يكاد بريقها الذهبي يخطف الأبصار، يجلس عليها إنسان تغمره هالة أخاذة من الضياء بدت بجانبها أضواء تلك الأجسام وكأنها ذبالات ضئيلة بجانب كوكب درى، واقتحمت بناظري تلك الهالة وقد انتابني شعور غريب لا عهد لي بمثله وأمعنت النظر فإذا وجه الشيخ نعمان ـ بلحيته البيضاء المستديرة، وقد تحولت سمرة وجهه إلى ذلك الضياء والبهاء، وترقرقت في محياه الراضي الوديع نضرة النعيم، وهممت بأن أناديه عله ينظر إلى ويراني، فإذا النسيم يحمل إلى مسامعي اصواتا ساحرة شجية أين منها رنين الأوتار وتغريد البلابل ؟ تردد في أجواء نفسى، وهى تشدو بهذا النشيد الذي وعيته .
أهــلا      بوسنان     صحــا      نـاداه      رب      الــعـــزة
هــا أنـت ذا قــد جئــت مـــن      دنيـا    الأسى   والــغــربـــة
قــد صـرت يــا نــعمــان في      دار     الحيــاة        الحقــة
يـــهنيــــك خلــد في نـــعيـــم      قد      كسـاك       بنضــرة
تحت الظـلال عـلى الأرائــك      في     ريــاض      الجنـــة
وأخذت تلك الأصوات تخفت شيئا فشيئا تاركة سحر الطرب يهز مشاعري هزا، وصافح أذني صوت مؤذن القرية ينادى، الصلاة خير من النوم، فتلاشت أطياف الليل في طلائع الفجر القادم من المشرق وقمت ملبيا النداء الخالد إلى الصلاة. "
منارة الإسلام ـ العدد 9 ـ جمادى الأولى 1404 / فبراير 1984
دونتها: يارا منذر - حفيدة الشاعر
avatar
Dr. Monzer Saneldeen
Admin

عدد المساهمات : 255
تاريخ التسجيل : 13/01/2014

http://saneldeen.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى البرزخ - قصة قصيرة

مُساهمة من طرف Dr. Monzer Saneldeen في الثلاثاء يونيو 05, 2018 10:20 am

القصة الاصلية التى نشرت عام 1982
من وراء الحجب
بقلم: محمد صان الدين

" هدأت القرية القابعة في أحضان الجبل، ولفها سكون مطبق، وراحت تسبح في ظلام دامس وغرقت في سبات أشبه بغمرة الموت، وكأن الطبيعة قد ضربت عليها سرادقا من الصمت الرهيب ، فلا تحس نأمة ولا تسمع ركزا.
ذلك بعد يوم عابس كئيب، صاحب بالبكاء والنحيب على الوجوه نقابا شاحبا عم أهل القرية نساء ورجالا شيبا وشبابا حتى الأطفال الذين هم دون فهم ظواهر الحياة، وإدراك آثار الوقائع والأحداث.
لقد أصيب القرية اليوم بكارثة تجل عن العزاء ويعزب معها الصبر، وتطيش الألباب ، إنها كارثة العمر بالنسبة لها، ورزء الدهر رماها به ليسلب منها سبب هناءتها في عيشها.
لقد توفى صباح اليوم الشيخ رابح.
والشيخ رابح هذا بالنسبة لها هو النسمة الندية في قيظ الدنيا تنشق منها عبير الحياة الهانئة الوادعة فتنبض بها عروقهم وتبصر عيونهم، وتسمع آذانهم. إنه كدوحة عظيمة ممتدة الأغصان سابعة الظلال، دائمة الثمار، دانية القطوف. يستظل الناس بظلها ويستروحون عبيرها، ويطعمون ثمارها اليانعة الحلوة سواء في ذلك الصغيرة والكبير، القريب والبعيد، الوافد وعابر السبيل.
زالت الشمس عن كبد السماء وصلى الناس الظهر لأول مرة بدون الشيخ رابح وخرجوا مع من توافد من القرى المجاورة ومن حضر من الضاربين في الأرض يبتغون من فضل الله يحملون نعش الفقيد إلى ربض القرية حيث المكان الفسيح الذي يسمح باشتراك كل هذه الجموع في الصلاة عليه، وكأن الصلاة عليه كتبت على كل فرد يعى ويعقل. فرغوا من الصلاة وحملوا الجنازة على الأعناق وساروا خلفها وحولها مجذوبين إليها بأمراس خفية، شاخصة فيها أبصارهم، وقد زمت الشفاه وخيم الصمت فلا تسمع إلا وقع الأقدام على الحصى. حتى وصلوا إلى حفرة بين القبور فرغ الحفار من حفرها لتوه فأخرجوا الجثمان من النعش وواروه في شق الحفرة وأهالوا عليه الرمال بين التكبير والتهليل، وعبارات الترحم والوداع بأصوات متهدجة خنقتها العبرات الملتهبة ، واختفى الشيخ رابح عن العيون إلى الأبد.
يا الله.. ما أسرع الموت، وما أرق الشعرة التي تفصل بين الموت والحياة أو الدنيا والآخرة عاد الناس إلى القرية الحزينة، وكأنهم دفنوا مع الشيخ رابح مداركهم وحواسهم .. يجرون أقدمهم وعلى كواهلهم مثل الجبال من الهم والحزن تنم عنهما وجوههم الشاحبة ونظراتهم الشاردة.
ظلوا عند مداخل القرية جالسين في صمت لا يكلم أحد أحدا وقد عقدوا أيديهم على سوقهم المنصوبة. وكأن منافذ القرية قد سدت في وجوههم. فكيف يدخلونها وقد أفل كواكبها وانطفأ مصباحها. ولأول مرة يشعرون برهبة الموت ويحسون بقبضته تعتصر القلوب وتستدر عصى الدموع من العيون وكأنهم لم يعرفوا من قبل أن الإنسان يموت، ولم يفتقدوا أحدا سواه.
غربت شمس اليوم وغرب معها آخر شعاع من الإنس والاطمئنان ، وأقبل الليل بوحشته ينشر أعلامه السوداء في الأفق ، ولم يلبث حتى لف القرية بظلامه الدامس. فاجتمعت وحشتان وحشة الليل ووحشة الموت. فأخذوا يتحسسون طرقهم إلى المنازل المظلمة الحزينة التي لم يوقد بها ذبالة واحدة يرشد بصيصها معتسف الليل البهيم.
مر الهزيع الأول فآوى الناس إلى مضاجعهم يلقون عليها أجسامهم لتظل في مكانها بلا حراك وكأنها أعجاز نخل خاوية. وناء الليل بكلكه الثقيل وانطلقت الأشباح من مكامنها تتراكض هنا وهناك تزيدها الأعصاب المكدودة هولا ورهبة فأغمضت العيون وراحت القرية في سكون.
مضى أكثر الليل ولم يبق إلا الهزيع الأخير منه ولكنى ظللت متنبه الأعصاب يقظ الفكر أستعرض أحداث اليوم وأخذ شريط الذاكرة يعرض على صورا منن مواقف وسلوك هذا الرجل الذي رحل عن دنيا الأحياء إلى عالم يختلف عن عالمنا المحسوس، وقد عجز تصوري عن رسم مصغر لما بعد الموت من نعيم لمثل هذا الرجل.
حقا لقد كان الشيخ رابح نموذج حيا للإنسان السوي في أسمى معاني الإنسانية وأبهى صورها. رحبت نفسه ورحبت حتى وسعت طباع ونزعات أهل القرية كلهم، واحتوتهم جميعا في داخلها، فهو بجسمه وهيئته واحد منهم ولكنه بروحه ونفسه الأرض التي تقلهم والسماء التي تظلهم والسياج المنيع الذي يعصمهم كأفراد وجماعات من الجنوح والشطط.
وإذا كان الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ نماذج للإنسانية في أعلى مراتبها وأمثلة تتحرك على الأرض بمعاني السماء التي أودعتها في أجسادهم البشرية رحمة منه وفضلا فإن الشيخ رابح كان أقرب ما يكون منهم أخلاقا وسلوكا فهو نفحة من نفحات النبوة وكأن الله قد فطره على هذه الصفات، ليقيم للناس البرهان على أن النبوات وإن كانت قد ختمت بمحمد عليه الصلاة والسلام ـ فإن ظلالها باقية وعبيرها لا يزال يعبق في مثل الشيخ رابح.
كان ميسور الحال إلى حد ما ففي القرية من هم أكثر منه مالا وأعز نفرا، ولكنه هو كان من يساره كواحد من أهل القرية يستوي البعيد والقريب في النسب عنده لا يستأثر نشئ بل ربما آثر على نفسه غيره ، فليس لنفسه ولا لغرائزه سلطان عليه ، فقد أحكمت إرادته العاقلة البصيرة قبضتها على ذاته ظاهرها وباطنها فلا يصدر عنه إلا ما يسمح به الرقيب الذاتي المسمى بالوازع الذي نبت في رياض الدين وترعرع في أنسامه ، وكان مع بساطته وتواضعه وبشاشته مهابا يخشى ويرجى إشارته أمر مطاع وصده عقاب صارم. أما ابتسامته فكانت دائما تستطيع على شفتيه في كل حالاته حتى والدموع تنهل من عينيه رثاء لبائس أو إشفاقا على منكوب. وعلى الرغم من أنه قد نيف على الستين من عمره فإنك لا ترتاب في أنه لا يزال على مشارف الأربعين نضارة وحيوية ونشاطا. فكنت لا تراه إلا مسرعا لإغاثة ملهوف أو مساعدة منكوب أو مواساة مصاب أو آخذا بيد عاجز. ويقضى سحابة يومه وبعضا من ليله في ممارسة هذه الأنشطة. وهو لا يصدر إلا عن نفس راضية تفيض رقة وحنانا وقلب ينبض بالحب والرحمة دون أن يخالطهما شعور بالفضل أو رغبة في الثناء أو انتظار للجزاء. ومن الناس من تكون حياته غذاء حلوا شهيا للبشرية وأنساما وعبيرا، ومنهم من تكون حياته شوكا في الأكف والأقدام وقذى في العيون وغصصا في الحلوق وهل يستويان عند الناس قدرا وحبا، وعند الله منزلة وجزاء؟ هنا توقف شريط الصور وإيحاءاته في خاطري كأن ذلك ينبهني إلى أنه لابد للجسم من الراحة وللفكر من الفتور، وشعرت بأني في حاجة إلى تنسم هواء الثلث الأخير من الليل، فخرجت إلى شرفة الدار المطلة على الوادي الممتد إلى الجبل في الجنوب الغربي من القرية حيث السفح الذي تقع فيه قبور الموتى.
فجلست على مقعد خشبي أحدق في الظلام وأسرح ناظري إلى جهة القبور كأني أستطلع شيئا ما فلم أر ولم أسمع شيئا،حتى حفيف أجنحة طيور الليل. كل شيئ صامت راقد وترقرقت على وجهى نسمة ندية من الأنسام التي تسبق الفجر فأحسست بالراحة وسكون المشاعر و استرخاء الأعضاء ، وبدأت أهوم تهويما خفيفا لا يكاد يخامر إحساسي ولا ينال من يقظة فكرى .. وقد أسندت رأسي على مجمع قبضتي اليمنى .. ولاحت منى التفاتة اخترقت سدول الظلام فإذا القبور الموحشة الصامتة الخرساء تضئ بأجسام نورانية في هيئة أجسام البشر السوية وهى تتحرك من كل صوب في صفوف كأسراب الطيور البيضاء في جو السماء تتجه في تناسق عجيب إلى موضع معين ، أظنه قبر الشيخ رابح. وأخذت الصفوف تتجمع وتتحلق في شكل دائري. نظرت في وسطه فإذا أريكة يكاد بريقها الذهبي يخطف الأبصار بطائنها من إستبرق يجلس عليها إنسان تغمره هالة أخاذة من الضياء بدت بجانبها أضواء تلك الأجسام وكأنها ذبالات كليلة ضئيلة بجانب كوكب درى. واقتحمت بناظري تلك الهالة وقد أنتبنى شعور غريب لا عهد لى بمثله وأمعنت النظر فإذا وجه الشيخ رابح بلحيته البيضاء المستديرة وقد تحولت سمرة وجهه الشاحبة إلى ذلك الضياء والبهاء وترقرقت في محياه الراضي نضرة النعيم. وهممت بأن أناديه من موقعي عله ينظر إلى ويراني فإذا النسيم يحمل إلى مسامعي أصواتا ساحرة شجية. أين منها تغريد البلابل و رنين الأوتار. في أجواء نفسي وهى تشدو بهذا النشيد :
أهــلا بوسنان صحــا نـاداه رب الــعـــزة
هــا أنـت ذا قــد جئــت مـــن دنيـا الأسى والــغــربـــة
قــد صـرت يــا نــعمــان في دار الحيــاة الحقــة
يـــهنيــــك خلــد في نـــعيـــم قد كسـاك بنضــرة
تحت الظـلال عـلى الأ رائــك في ريــاض الجنـــة
وأخذت تلك الأصوات تخفت شيئا فشيئا تاركة سحر الطرب يهزني هزا وصافح أذني صوت مؤذن القرية ينادى : الصلاة خير من النوم فتلاشت أطياف الليل في طلائع الفجر القادم من المشرق ، وقمت ملبيا النداء الخالد إلى الصلاة الصبح. "
نشرت فى مجلة "رسالة الازهر" على جزئين:
الجزء الاول:
العدد 33 السنة الاولى – الخميس 7 ربيع الثانى 1402هـ ، 11 فبراير 1982 ص26-28
الجزء الثانى:
العدد 34 السنة الاولى – الخميس 24 ربيع الثانى 1402هـ ، 18 فبراير 1982 ص26-27
دونتها : يارا منذر – حفيدة الشاعر فى رمضان 1439 هـ --- يونيو 2018
avatar
Dr. Monzer Saneldeen
Admin

عدد المساهمات : 255
تاريخ التسجيل : 13/01/2014

http://saneldeen.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى