منتدى محبى الشاعر محمد صان الدين
اسعدنا تواجدكم

قصة "من وراء الحجب" كما نشرت فى مجلة "رسالة الازهر"

اذهب الى الأسفل

قصة "من وراء الحجب" كما نشرت فى مجلة "رسالة الازهر"

مُساهمة من طرف Dr. Monzer Saneldeen في الثلاثاء يونيو 05, 2018 10:23 am

من وراء الحجب
بقلم/ محمد صان الدين


" هدأت القرية القابعة في أحضان الجبل، ولفها سكون مطبق، وراحت تسبح في ظلام دامس وغرقت في سبات أشبه بغمرة الموت، وكأن الطبيعة قد ضربت عليها سرادقا من الصمت الرهيب ، فلا تحس نأمة ولا تسمع ركزا.
ذلك بعد يوم عابس كئيب، صاحب بالبكاء والنحيب على الوجوه نقابا شاحبا عم أهل القرية نساء ورجالا شيبا وشبابا حتى الأطفال الذين هم دون فهم ظواهر الحياة، وإدراك آثار الوقائع والأحداث.
لقد أصيب القرية اليوم بكارثة تجل عن العزاء ويعزب معها الصبر، وتطيش الألباب ، إنها كارثة العمر بالنسبة لها، ورزء الدهر رماها به ليسلب منها سبب هناءتها في عيشها.
لقد توفى صباح اليوم الشيخ رابح.
والشيخ رابح هذا بالنسبة لها هو النسمة الندية في قيظ الدنيا تنشق منها عبير الحياة الهانئة الوادعة فتنبض بها عروقهم وتبصر عيونهم، وتسمع آذانهم. إنه كدوحة عظيمة ممتدة الأغصان سابعة الظلال، دائمة الثمار، دانية القطوف. يستظل الناس بظلها ويستروحون عبيرها، ويطعمون ثمارها اليانعة الحلوة سواء في ذلك الصغيرة والكبير، القريب والبعيد، الوافد وعابر السبيل.
زالت الشمس عن كبد السماء وصلى الناس الظهر لأول مرة بدون الشيخ رابح وخرجوا مع من توافد من القرى المجاورة ومن حضر من الضاربين في الأرض يبتغون من فضل الله يحملون نعش الفقيد إلى ربض القرية حيث المكان الفسيح الذي يسمح باشتراك كل هذه الجموع في الصلاة عليه، وكأن الصلاة عليه كتبت على كل فرد يعى ويعقل. فرغوا من الصلاة وحملوا الجنازة على الأعناق وساروا خلفها وحولها مجذوبين إليها بأمراس خفية، شاخصة فيها أبصارهم، وقد زمت الشفاه وخيم الصمت فلا تسمع إلا وقع الأقدام على الحصى. حتى وصلوا إلى حفرة بين القبور فرغ الحفار من حفرها لتوه فأخرجوا الجثمان من النعش وواروه في شق الحفرة وأهالوا عليه الرمال بين التكبير والتهليل، وعبارات الترحم والوداع بأصوات متهدجة خنقتها العبرات الملتهبة ، واختفى الشيخ رابح عن العيون إلى الأبد.
يا الله.. ما أسرع الموت، وما أرق الشعرة التي تفصل بين الموت والحياة أو الدنيا والآخرة عاد الناس إلى القرية الحزينة، وكأنهم دفنوا مع الشيخ رابح مداركهم وحواسهم .. يجرون أقدمهم وعلى كواهلهم مثل الجبال من الهم والحزن تنم عنهما وجوههم الشاحبة ونظراتهم الشاردة.
ظلوا عند مداخل القرية جالسين في صمت لا يكلم أحد أحدا وقد عقدوا أيديهم على سوقهم المنصوبة. وكأن منافذ القرية قد سدت في وجوههم. فكيف يدخلونها وقد أفل كواكبها وانطفأ مصباحها. ولأول مرة يشعرون برهبة الموت ويحسون بقبضته تعتصر القلوب وتستدر عصى الدموع من العيون وكأنهم لم يعرفوا من قبل أن الإنسان يموت، ولم يفتقدوا أحدا سواه.
غربت شمس اليوم وغرب معها آخر شعاع من الإنس والاطمئنان ، وأقبل الليل بوحشته ينشر أعلامه السوداء في الأفق ، ولم يلبث حتى لف القرية بظلامه الدامس. فاجتمعت وحشتان وحشة الليل ووحشة الموت. فأخذوا يتحسسون طرقهم إلى المنازل المظلمة الحزينة التي لم يوقد بها ذبالة واحدة يرشد بصيصها معتسف الليل البهيم.
مر الهزيع الأول فآوى الناس إلى مضاجعهم يلقون عليها أجسامهم لتظل في مكانها بلا حراك وكأنها أعجاز نخل خاوية. وناء الليل بكلكه الثقيل وانطلقت الأشباح من مكامنها تتراكض هنا وهناك تزيدها الأعصاب المكدودة هولا ورهبة فأغمضت العيون وراحت القرية في سكون.
مضى أكثر الليل ولم يبق إلا الهزيع الأخير منه ولكنى ظللت متنبه الأعصاب يقظ الفكر أستعرض أحداث اليوم وأخذ شريط الذاكرة يعرض على صورا منن مواقف وسلوك هذا الرجل الذي رحل عن دنيا الأحياء إلى عالم يختلف عن عالمنا المحسوس، وقد عجز تصوري عن رسم مصغر لما بعد الموت من نعيم لمثل هذا الرجل.
حقا لقد كان الشيخ رابح نموذج حيا للإنسان السوي في أسمى معاني الإنسانية وأبهى صورها. رحبت نفسه ورحبت حتى وسعت طباع ونزعات أهل القرية كلهم، واحتوتهم جميعا في داخلها، فهو بجسمه وهيئته واحد منهم ولكنه بروحه ونفسه الأرض التي تقلهم والسماء التي تظلهم والسياج المنيع الذي يعصمهم كأفراد وجماعات من الجنوح والشطط.
وإذا كان الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ نماذج للإنسانية في أعلى مراتبها وأمثلة تتحرك على الأرض بمعاني السماء التي أودعتها في أجسادهم البشرية رحمة منه وفضلا فإن الشيخ رابح كان أقرب ما يكون منهم أخلاقا وسلوكا فهو نفحة من نفحات النبوة وكأن الله قد فطره على هذه الصفات، ليقيم للناس البرهان على أن النبوات وإن كانت قد ختمت بمحمد عليه الصلاة والسلام ـ فإن ظلالها باقية وعبيرها لا يزال يعبق في مثل الشيخ رابح.
كان ميسور الحال إلى حد ما ففي القرية من هم أكثر منه مالا وأعز نفرا، ولكنه هو كان من يساره كواحد من أهل القرية يستوي البعيد والقريب في النسب عنده لا يستأثر نشئ بل ربما آثر على نفسه غيره ، فليس لنفسه ولا لغرائزه سلطان عليه ، فقد أحكمت إرادته العاقلة البصيرة قبضتها على ذاته ظاهرها وباطنها فلا يصدر عنه إلا ما يسمح به الرقيب الذاتي المسمى بالوازع الذي نبت في رياض الدين وترعرع في أنسامه ، وكان مع بساطته وتواضعه وبشاشته مهابا يخشى ويرجى إشارته أمر مطاع وصده عقاب صارم. أما ابتسامته فكانت دائما تستطيع على شفتيه في كل حالاته حتى والدموع تنهل من عينيه رثاء لبائس أو إشفاقا على منكوب. وعلى الرغم من أنه قد نيف على الستين من عمره فإنك لا ترتاب في أنه لا يزال على مشارف الأربعين نضارة وحيوية ونشاطا. فكنت لا تراه إلا مسرعا لإغاثة ملهوف أو مساعدة منكوب أو مواساة مصاب أو آخذا بيد عاجز. ويقضى سحابة يومه وبعضا من ليله في ممارسة هذه الأنشطة. وهو لا يصدر إلا عن نفس راضية تفيض رقة وحنانا وقلب ينبض بالحب والرحمة دون أن يخالطهما شعور بالفضل أو رغبة في الثناء أو انتظار للجزاء. ومن الناس من تكون حياته غذاء حلوا شهيا للبشرية وأنساما وعبيرا، ومنهم من تكون حياته شوكا في الأكف والأقدام وقذى في العيون وغصصا في الحلوق وهل يستويان عند الناس قدرا وحبا، وعند الله منزلة وجزاء؟ هنا توقف شريط الصور وإيحاءاته في خاطري كأن ذلك ينبهني إلى أنه لابد للجسم من الراحة وللفكر من الفتور، وشعرت بأني في حاجة إلى تنسم هواء الثلث الأخير من الليل، فخرجت إلى شرفة الدار المطلة على الوادي الممتد إلى الجبل في الجنوب الغربي من القرية حيث السفح الذي تقع فيه قبور الموتى.
فجلست على مقعد خشبي أحدق في الظلام وأسرح ناظري إلى جهة القبور كأني أستطلع شيئا ما فلم أر ولم أسمع شيئا،حتى حفيف أجنحة طيور الليل. كل شيئ صامت راقد وترقرقت على وجهى نسمة ندية من الأنسام التي تسبق الفجر فأحسست بالراحة وسكون المشاعر و استرخاء الأعضاء ، وبدأت أهوم تهويما خفيفا لا يكاد يخامر إحساسي ولا ينال من يقظة فكرى .. وقد أسندت رأسي على مجمع قبضتي اليمنى .. ولاحت منى التفاتة اخترقت سدول الظلام فإذا القبور الموحشة الصامتة الخرساء تضئ بأجسام نورانية في هيئة أجسام البشر السوية وهى تتحرك من كل صوب في صفوف كأسراب الطيور البيضاء في جو السماء تتجه في تناسق عجيب إلى موضع معين ، أظنه قبر الشيخ رابح. وأخذت الصفوف تتجمع وتتحلق في شكل دائري. نظرت في وسطه فإذا أريكة يكاد بريقها الذهبي يخطف الأبصار بطائنها من إستبرق يجلس عليها إنسان تغمره هالة أخاذة من الضياء بدت بجانبها أضواء تلك الأجسام وكأنها ذبالات كليلة ضئيلة بجانب كوكب درى. واقتحمت بناظري تلك الهالة وقد أنتبنى شعور غريب لا عهد لى بمثله وأمعنت النظر فإذا وجه الشيخ رابح بلحيته البيضاء المستديرة وقد تحولت سمرة وجهه الشاحبة إلى ذلك الضياء والبهاء وترقرقت في محياه الراضي نضرة النعيم. وهممت بأن أناديه من موقعي عله ينظر إلى ويراني فإذا النسيم يحمل إلى مسامعي أصواتا ساحرة شجية. أين منها تغريد البلابل و رنين الأوتار. في أجواء نفسي وهى تشدو بهذا النشيد :
أهــلا      بوسنان     صحــا      نـاداه      رب      الــعـــزة
هــا أنـت ذا قــد جئــت مـــن      دنيـا    الأسى   والــغــربـــة
قــد صـرت يــا نــعمــان في      دار     الحيــاة        الحقــة
يـــهنيــــك خلــد في نـــعيـــم      قد      كسـاك       بنضــرة
تحت    الظـلال   عـلى   الأ      رائــك في  ريــاض  الجنـــة
وأخذت تلك الأصوات تخفت شيئا فشيئا تاركة سحر الطرب يهزني هزا وصافح أذني صوت مؤذن القرية ينادى : الصلاة خير من النوم فتلاشت أطياف الليل في طلائع الفجر القادم من المشرق ، وقمت ملبيا النداء الخالد إلى الصلاة الصبح. "
نشرت فى مجلة "رسالة الازهر" على جزئين:
الجزء الاول:
العدد 33 السنة الاولى – الخميس 7 ربيع الثانى 1402هـ ، 11 فبراير 1982  ص26-28
الجزء الثانى:
العدد 34 السنة الاولى – الخميس 24 ربيع الثانى 1402هـ ، 18 فبراير 1982  ص26-27
دونتها : يارا منذر – حفيدة الشاعر فى رمضان 1439 هـ --- يونيو 2018
avatar
Dr. Monzer Saneldeen
Admin

عدد المساهمات : 254
تاريخ التسجيل : 13/01/2014

http://saneldeen.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى